هشام جعيط
355
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
عمليا . في أواخر القرن الثالث الهجري / القرن التاسع الميلادي ، حدثت الثورة الإسماعيلية الكبرى ، وكان مهدها الكوفة ، وكان من تجليات هذه الثورة عنف القرامطة وآثاره المدمرة . وكانت الكوفة ، على فترات متعاقبة ، هدفا لهجمات القرامطة ونهبهم في الأعوام 293 ، 312 ، 315 ، ولم يكن بإمكان الكوفة أن تتعافى من آثار تلك الهجمات . وهذا ما يفسّر نشوء النجف ومشهد علي ، العام 334 ه / 945 م ، على مقربة منها ، بفضل المساعدات التي قدّمها بنو بويه ، وبروزهما عنوانا للتديّن الشيعي الذي بدأ ، منذ القرن الثالث / القرن التاسع ، يميز الكوفة التي تكثفت فيها الرمزية الدينية الشيعية . ولكن في الوقت نفسه ، اندثرت الكوفة العربية القديمة التي لم تتماه مع الظاهرة الشيعية . وبذلك انهار النظام القبلي المديني ، في وقت بدأت فيه " البدونة الجديدة " ( العودة إلى البداوة ) ، أو بدأ ، على أية حال ، يتعاظم تهديد العالم البدوي الجديد ، للمدى العراقي العربي . ففي العام 386 ه / 996 م أقطع بهاء الدولة الكوفة إلى سيّد بني عقيل . وسيطر على الكوفة بنو أسد وطيّ الذين بقي قسم كبير منهم خارج الإطار المديني ، ولكن على تعايش وثيق مع المدينة ، وكذلك بنو شمّر الوافدون الجدد على الساحة ، فأتلفوها . فكان بنو أسد ، هؤلاء ، جزءا من انهيار الكوفة التي غدت تحاكي بابل وأور ولاغاش Lagash وتستحيل مواتا مثلها . وأسد أولئك ( وهم غير أسد الذين كانوا مستقرين في المدينة ) كان النّحاة في الكوفة يأخذون عنهم ، بمنهج إثنولوجي حقيقي ، الكلام السليم والنطق الصحيح والعبارة الفصيحة بوصفها درعا يحمي أصالة هويتهم . في العام 495 / 1101 ، عندما بنيت الحلة ، فقدت الكوفة أهميتها إلى الأبد ، وهجرها معظم أهلها . ويصفها ابن جبير ( 578 - 614 ه / 1144 - 1217 م ) الذي زارها في وقت لاحق ، بأنها مدينة مهجورة خربة ، ما زال فيها قليل من السكان ، يتعرضون على الدوام لغزو قبيلة خفاجة ( رحلة ، طبعة بيروت ، 1959 ) . كل العمران المشيد بين الجامع والفرات استحال دمارا وخرابا ، وهو اليوم بساتين وأراض مزروعة ، كما يقول ابن جبير . ويقول أيضا إن الجامع المركزي ما يزال منتصبا بسقوفه العالية وأعمدته الداخلية وقاعة الصلاة بأقسامها الخمسة ، وآثاره المقدسة حيث تتجاور أساطير الشيعة وأساطير بابل القديمة التي ورثها الإسلام : مصلى إبراهيم ، محراب علي ، تنّور نوح ، قبر مسلم بن عقيل ( أو ما يقال إنه قبره ) . وعندما استتب الأمر للمغول في العراق وأخضعوه لسلطانهم ، كتب المستوفي القزويني إلى أمير المغول كتابا ( نزهة القلوب ) يتضمن وصفا لجميع موارد البلاد . ويذكر في الكتاب أن الكوفة